القرطبي

289

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

المؤمنين على ما أنتم عليه " من الكفر والنفاق . " حتى يميز الخبيب من الطيب " . وقيل : هو خطاب للمشركين . والمراد بالمؤمنين في قوله : " ليذر المؤمنين " من في الأصلاب والأرحام ممن يؤمن . أي ما كان الله ليذر أولادكم الذين حكم لهم بالايمان على ما أنتم عليه من الشرك ، حتى يفرق بينكم وبينهم ، وعلى هذا ( وما كان الله ليطلعكم ) كلام مستأنف . وهو قول ابن عباس وأكثر المفسرين . وقيل : الخطاب للمؤمنين . أي وما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من اختلاط المؤمن بالمنافق ، حتى يميز بينكم بالمحنة والتكليف ، فتعرفوا المنافق الخبيث ، والمؤمن الطيب . وقد ميز يوم أحد بين الفريقين . وهذا قول أكثر أهل المعاني . ( وما كان الله ليطلعكم على الغيب ) يا معشر المؤمنين . أي ما كان الله ليعين لكم المنافقين حتى تعرفوهم ، ولكن يظهر ذلك لكم بالتكليف والمحنة ، وقد ظهر ذلك في يوم أحد ، فإن المنافقين تخلفوا وأظهروا الشماتة ، فما كنتم تعرفون هذا الغيب قبل هذا ، فالآن قد أطلع الله محمدا عليه السلام وصحبه على ذلك . وقيل : معنى " ليطلعكم " أي وما كان [ الله ] ( 1 ) ليعلمكم ما يكون منهم . فقوله : " وما كان الله ليطلعكم [ على الغيب ] ( 1 ) " على هذا متصل ، وعلى القولين الأولين منقطع . وذلك أن الكفار لما قالوا : لم لم يوح إلينا ؟ قال : " وما كان الله ليطلعكم على الغيب " أي على من يستحق النبوة ، حتى يكون الوحي باختياركم . ( ولكن الله يجتبي ) أي يختار ( من رسله ) لاطلاع غيبه ( من يشاء ) يقال : طلعت على كذا واطلعت [ عليه ] ( 1 ) ، وأطلعت عليه غيري ، فهو لازم ومتعد . وقرئ " حتى يميز " بالتشديد من ميز ، وكذا في " الأنفال " ( 2 ) وهي قراءة حمزة . والباقون " يميز " بالتخفيف من ماز يميز . يقال : مزت الشئ بعضه من بعض أميزه ميزا ، وميزته تمييزا . قال أبو معاذ : مزت الشئ أميزه ميزا إذا فرقت بين شيئين . فإن كانت أشياء قلت : ميزتها تمييزا . ومثله إذا جعلت الواحد شيئين قلت : فرقت بينهما ، مخففا ، ومنه فرق الشعر . فإن جعلته أشياء قلت : فرقته تفريقا . قلت : ومنه امتاز القوم ، تميز بعضهم عن بعض . ويكاد يتميز : يتقطع ، وبهذا فسر قوله تعالى : " تكاد تميز من الغيظ " [ الملك : 8 ] ( 3 ) وفي الخبر ( من ماز أذى عن الطريق فهو له صدقة ) .

--> ( 1 ) وز وه‍ وج‍ . ( 2 ) راجع ج 7 ص 400 . ( 3 ) راجع ج 18 ص 218 .